ابن عربي

69

الفتوحات المكية ( ط . ج )

فلا يزال ( العبد ) يرقبها إلى الغروب ، ومن الغروب يرقب آثارها بصلاة المغرب والتنفل بعدها إلى مغيب الشفق ، فيغيب أثرها . فيبقى في ظلمة الليل سائلا ، باكيا ، متضرعا . يراعى نجوم الليل لاستنارتها بنور الشمس . يسأل ويتضرع إلى طلوع الفجر . فيرى ( العبد ) آثار المجيء ، وقبول دعائه . فيعبده شكرا على ذلك ، وهو يشاهد آثار القبول . فيؤدى فرض الصبح ، ولا يزال مراقبا بالذكر إلى أن تنجلي ( الشمس ) طالعة . ( 43 ) فإذا ابيضت ( الغزالة ) ، وزال عنها التغيير الذي يحول بين البصر وبين بياضها ، من حجب أبخرة الأرض - وهي الأنفاس الطبيعية - ، قام ( العبد ) إجلالا على قدم الشكر إلى حد الاستواء . فلا يزال في عبادة الفرح والشكر إلى أن تزول ( الغزالة ) ، فيرجع إلى عبادة الصبر والافتقار وتوقع المفارقة ، ما دام حيا . فهو ( أبدا ) بين عبادتين . وذلك أنه لما سمع الرسول - ص ! - يقول : « ترون ربكم كما ترون الشمس » - فاعتبر ذلك في عبادته ، في صلواته المفروضة والتطوع ، شكرا وفقرا : بين نعمة وبلاء ، وشدة ورخاء . ( 44 ) فان المؤمن من استوى خوفه ورجاؤه . « فهو يدعو ربه خوفا »